الآلوسي
146
تفسير الآلوسي
الأعمال بالكلية وهو ما صرح به ابن عبد السلام والنووي ، وقال الغزالي : إذا غلب الإخلاص فهو مثاب وإلا فلا ، وقيل : هو مثاب غلب الإخلاص أم لا لكن على قدر الإخلاص ، وفي دلالة الآية - على أن غير المخلص لا يستحق غير الحرمان - نظر لأنه سبحانه أثبت فيها للمخلص أجراً عظيماً وهو لا ينافي أن يكون لغيره ما دونه ، وكون العظمة بالنسبة إلى أمور الدنيا خلاف الظاهر . . * ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً ) * . * ( وَمَن يُشَاقق الرَّسُولَ ) * أي يخالفه - من الشق فإن كلاً من المتخالفين في شق غير شق الآخر ، ولظهور الانفكاك بين الرسول - ومخالفه فك الإدغام هنا ، وفي قوله سبحانه في الأنفال ( 13 ) * ( ومن يشاقق الله ورسوله ) * - رعاية لجانب المعطوف ، ولم يفك في قوله تعالى في الحشر ( 4 ) * ( ومن يشاق الله ) * . وقال الخطيب : في حكمة الفك والإدغام أن أل في الاسم الكريم لازمة بخلافها في الرسول ، واللزوم يقتضي الثقل فخفف بالإدغام فيما صحبته الجلالة بخلاف ما صحبه لفظ الرسول ، وفي آية الأنفال صار المعطوف والمعطوف عليه كالشئ الواحد ، وما ذكرناه أولى ، والتعرض لعنوان الرسالة لإظهار كمال شناعة ما اجترءوا إليه من المشاقة والمخالفة ، وتعليل الحكم الآتي بذلك ، والآية نزلت كما قدمناه في سارق الدرع أو مودعها ، وقيل : في قوم طعمة لما ارتدوا بعد أن أسلموا ، وأياً مّا كان فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيندرج فيه ذلك وغيره من المشاقين . * ( من بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ) * أي ظهر له الحق فيما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يدعيه عليه الصلاة والسلام بالوقوف على المعجزات الدالة على نبوته * ( وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبيل الْمُؤْمنينَ ) * أي غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل فيعم الأصول والفروع والكل والبعض * ( نُوَلِّه ما تَوَلَّى ) * أي نجعله والياً لما تولاه من الضلال ويؤول إلى أنا نضله ، وقيل : معناه ( نخذله بأن ) نخل بينه وبين ما اختاره لنفسه ، وقيل : نكله في الآخرة إلى ما اتكل عليه وانتصر به في الدنيا من الأوثان * ( وَنُصْله جَهَنَّمَ ) * أي ندخله إياها ، وقد تقدم . وقرئ بفتح النون من صلاه * ( وَسَاءَتْ مَصيراً ) * أي جهنم أو التولية . واستدل الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه على حجية الإجماع بهذه الآية ، فعن المزني أنه قال : كنت عند الشافعي يوماً فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا فلما رآه ذا مهابة استوى جالساً وكان مستنداً لأسطوانة وسوى ثيابه فقال له : ما الحجة في دين الله تعالى ؟ قال : كتابه ، قال : وماذا ؟ قال : سنة نبيه صلى الله عليه وسلم قال : وماذا ؟ قال : اتفاق الأمة ، قال : من أين هذا الأخير أهو في كتاب الله تعالى ؟ فتدبر ساعة ساكتاً ، فقال له الشيخ : أجلتك ثلاثة أيام بلياليهنّ فإن جئت بآية وإلا فاعتزل الناس فمكث ثلاثة أيام لا يخرج وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر وقد تغير لونه فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس ، وقال : حاجتي ، فقال : نعم أعوذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل : * ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ) * الخ لم يصله جهنم على خلاف المؤمنين إلا واتباعهم فرض ، قال : صدقت وقام وذهب ، وروي عنه أنه قال : قرأت القرآن في كل يوم وفي كل ليلة ثلاث مرات حتى ظفرت بها . ونقل الإمام عنه أنه سئل عن آية من كتاب الله تعالى تدل على أن الإجماع حجة فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجد هذه الآية . واعترض ذلك الراغب بأن سبيل المؤمنين الإيمان كما إذا قيل : اسلك سبيل الصائمين والمصلين أي في الصوم والصلاة ، فلا دلالة في الآية على حجية الإجماع ، ووجوب اتباع المؤمنين في غير الإيمان ،